الشيخ أحمد بن علي البوني

157

شمس المعارف الكبرى

وبين غيره ، فإنه لا يتشخص إلا بواسطة المادة وعلاقتها والتعيين والتقليد كل ما كان ماديا أو له علاقة بالمادة كان متولدا ، فيصير تقدير الكلام هكذا لأنه يتولد ، فلما لم تكن ماهيته كذلك باعتبار ما سبق أنه هو ، وهذا في ابتداء السورة تذكرة كانت هويته لذاته منه ، ولا يكون متولدا ، ولو كانت هويته مستفادة من غيره لم يكن هو هو لذاته ، وفيه تنبيه على سر عظيم ، وهو التهديد الوارد في القرآن على القائل بالولد والزوجة . ولنعد إلى هذا السر وهو أن الولد ينفصل ولو كثرت ماهيته ، وله سبب المادة كما بيناه ، وكل من كان ماديا يكون ماهيا فإذا لا يتولد عنه غيره ، وهو غير متولد عن غيره . وقوله وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ أي ليس ما يساويه في قوة الوجود ، فإما أن يكون له ما يساوي ماهيته بينه وبين غيره كان وجوده ماديا ، وكان متولدا عن غيره تعالى اللّه عن ذلك . فصل : في ذكر ترجيح لا إله إلا اللّه على سائر الكلمات وتبيين مرتبة الصمدية على سائر السور والآيات . وأبين حقيقة الوحدانية وما تهوى وارتياحك للخيام المضروبة على حواشي العقيق والحجاز ، وإلى القباب القريبة من جانب قاب قوسين أو أدنى ، وذلك بقدرته جل جلاله فنقول : لا إله إلا اللّه ، بل لا له إلا هو ، وهو باب صحيح لا يفتح إلا للمشتاقين ، ويحجب دون عاليه عين الناظرين وأفهامهم ، فليس كل سر جاز أن يفشى ، ولا كل فضل يتمنى ، وإفشاء سر الربوبية كفر ، فإذا قلنا إفشاء سر الربوبية كفر ، فإفشاء سر المعية والهوية والإيجاد أبلغ في الكفر ولا يخفى أن منشأ الكفر إبداع وأشار إليه بقوله عليه السّلام « إن من العلم كهيئة المخزون لا يعرفه إلا العلماء باللّه تعالى ، فاسمع يا سابق أنك لو محوت وجودك ومحنته وذهبت عنك وعن رؤيتك وعما سواه لا يكشف لك سر الأسرار المشار إليها ، لأن في قولك لا مع وجودك تناقض عقلي وكفر عشقي ، فافهم تصب الإشارة الغريبة . وأما الثاني وهو الذي به وفيه طلوع فجر الألفة والمكاشفة ، أثار القدم والوجوب من بين شعب حكم أسرار الوحدانية لذوي التوحيد والإشارة والأسرار . وأما مبادئ الوادي الأول فسل فيه سبيل التحقيق ، والثاني بنوعين النقيع وشارب من الوادي الأول كذي القرنين ، والشارب من الوادي الثاني كالخضر عليه السّلام ، فالأول أعد للفناء ، والثاني أعد للبقاء ، والإشارة للثاني إشارة للملكوت . فالأول البيت المقدس ، والثاني الوحدانية المحضة هو إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وهو يخبر عن أوجه إلا اللّه تعالى هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى إِذْ رَأى ناراً أثبت له الرؤيا ثم أسبل عليه سر الاخفاء وأسرار المتعاشقين بقوله نارا وقال يا موسى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وجعل مبادئ الوصال إليه التوحيد ، ونهاية الختم بالطاعة . وسأنبئك إشارة إلى معونته أولا ، ومعرفة ما سواه ثانيا ، حتى تنال لذة الأسرار من قوله إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لأنك إن لم تكن كموسى في الوقت والصفة لم تنل لذة نداء المحبوب ولا طعم وصاله . ألا تعتبر من قول موسى حين سئل كيف عرفت أن النداء منه ؟ فقال : إن لذة النداء قتلتني وأشغلتني ، فذاق كل جزء مني وشعر حلاوته لأني مخاطب بنداء وأصل إليّ من جميع الجهات ، كما خاطب بي سرادقات العزة وملكتني الهيبة الإلهية فعرفت أن الخطاب من قبل اللّه تعالى فقلت : أنت الذي لم تزل أنت الذي ليس